الماسونية : فرسان الهيكل والإسماعيليون

الماسونية : فرسان الهيكل والإسماعيليون


الأربعاء 30 ديسمبر 2020 07:43
في «بريك لين»، أحد شوارع لندن القديمة المليء بالألوان والروائح وتنوع الأعراق والإثنيات والتواريخ (وأصبح اسم رواية للبريطانية البنغالية مونيكا علي) وجدت، قبل قرابة عشرين عاما، في إحدى بسطات الكتب المستعملة كتابا بعنوان لافت للنظر: «الطوائف السرية في سوريا و(جبل) لبنان». المفاجأة كانت أن الكاتب بيرنارد سبرينغيت، لم يكتب الكتاب لجمهور العامة، بل لجمهور «طائفة سرية» أخرى، هي «الماسونيون الأحرار»، مفتشا في تلك الطوائف القديمة عن جذور تاريخية لطائفته، ورغم أن الكتاب مطبوع عام 1923، والكثير من مقارباته فيها شطط وخروج عن طرق البحث العلمي، فهو مفيد للبحث في مجالات علميّة كثيرة، من السياسة وعلم الأديان إلى التاريخ والأدب.
يعرض الكتاب أشكالا أخرى من «امتحانات» الدخول في الدين (أو تسليمه)، ضمن عقائد الدروز، حيث تمتحن قدرة التلميذ على تحمل الصوم الشديد مع تعريضه لأشكال قاسية من الإغراءات الدنيوية، لكن الكتاب يقفز قفزة كبيرة حين يضع قسما منه تحت عنوان «العلاقات بين الدروز والماسونية»، ويستشهد بورقة نشرها باحث يدعى هاسكيت سميث عام 1891 يزعم فيها أن الدروز هم أبناء أتباع حيرام، ملك صور، وأن أسلافهم هم من بنوا معبد سليمان، وأنهم يحتفظون بآثار من علاقتهم الوثيقة بتلك الجــــذور التاريخية التي تعتبرها الماسونية جذورها، منتقلا بعد ذلك لتعداد أشكال أخرى من الأدلة، ما يراه تطابقا في شروط الدخول في الماسونية والعقيدة الدرزية، ومنها استبعاد النساء من قمة الهرم، والمقارنة بين المحفل والخلوة إلخ، وينتهي بحث سميث عن تطابقات إلى محاولات مضحكة لمعرفة إن كان الدروز يعرفون كلمات السر الماسونية!
لا يغفل الكتاب عن روابط تاريخية أخرى جعلت فكر الطوائف السرّية في سوريا والمشرق العربي، تحضر بشكل لاحقا في تنظيم الماسونيين الأحرار، الذي تم إنشاؤه في بريطانيا القرن الثامن عشر، وهو الخيط الذي يمكن استقصاؤه في خط التقاء الثقافات الذي مثلته القرون الثلاثة للحروب الصليبية، وكان أهم التعبيرات عنه تنظيم «فرسان الهيكل»، الذين اقتبسوا في تنظيمهم ودرجاتهم وعقائدهم الكثير من أفكار الباطنية الشرقية، وكذلك تعاليم «الكابالا» اليهودية (ويقال إنها بدورها لفلسفات باطنية مصرية أقدم)، وشكّلوا نظاما أوليا للمصارف في أوروبا، قبل أن يتم اضطهادهم وإقرار اعترافات لهم بعقائد تعكس تلك التأثيرات الشرقية، وقد عادت هذه الأفكار والتنظيم والطقوس بشكل كبير في تنظيمات الماسونية وطقوسها وعقائدها. غير أن الكتاب، استنادا إلى ماسوني آخر هو د. هـ. ر. كولمان، الذي يقول إن «فرسان الهيكل» أخذوا تلك الأفكار من الدروز.*
يمكن الخروج باستنتاجات كثيرة من هذا الكتاب لكنني أفضل اقتراح واحد منها فقط لا أعتقد أن الباحثين الكبار الذين كتبوا في موضوع الطوائف (كبرهان غليون وعزمي بشارة وأسامة مقدسي ومسعود ضاهر) قاربوه، وهو البحث في التحوّلات عبر التاريخية، حيث يمتزج الاجتماعي بالديني والسابق باللاحق، ولا يختفي القديم بل يتحوّل ويلبس اقنعة جديدة، فيحضر تموز في الحسين، وتحضر الأديان الفارسية والهندية القديمة في أديان وطوائف إسلامية، وهذا الجانب حول الموروثات القديمة التي ما تزال فاعلة في المجتمعات ما يزال مفتوحا على مصاريعه، وإمكانيات الحفر فيه كبيرة.


المزيد من الأخبار



© 2020 ||جرأة.اونلاين || سياسة المحتوى